المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 فرانشيسكا ألبانيزي :

المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 فرانشيسكا ألبانيزي :

المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 فرانشيسكا ألبانيزي :

نظام الحواجز العسكرية المتصاعد في الضفة الغربية يُعزّز تجزئة الإقليم الفلسطيني ويعمّق نظاماً قمعياً عشوائياً

٣ أكتوبر/تشرين الأول 2026
المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 فرانشيسكا ألبانيزي :
أحذر من أن نظام الحواجز العسكرية المتصاعد في الضفة الغربية يُعزّز تجزئة الإقليم الفلسطيني ويعمّق نظاماً قمعياً عشوائياً يكلف الفلسطينيين وقتاً ثميناً وحياتهم اليومية.

عندما تصبح كل رحلة أو موعد أو زيارة عائلية رهينة فتح البوابة أو سماح الجندي بالمرور، يتحول التعسف في حد ذاته إلى شكل من أشكال العذاب.

الأرقام وحدها لا تلتقط مدى ما يسببه هذا النظام من معاناة. إنه يسرق ساعات وأياماً من حياة الناس، ويفرّق بين العائلات، ويحرم الطلاب من التعليم والعمال من سبل الرزق، ويعيق الوصول إلى خدمات صحية منقذة للحياة.

الطفل الفلسطيني الرضيع أحمد زيد (4 أشهر)، توفي في يوليو 2026 بسبب تأخير وصول سيارة إسعاف له لمدة تزيد عن ساعة عند أحد الحواجز العسكرية.وهذا مثال مروع على ما يعنيه هذا النظام على صعيد إنساني.

تشير شهادات وبيانات ميدانية أخرى إلى أن الفلسطينيين يجدون أنفسهم في غالبيتهم مضطرين للتنسيق المسبق مع السلطات الإسرائيلية للسفر بين مناطق الضفة، بما يشمل الذهاب إلى العمل أو المدرسة أو المرافق الطبية، وقد تستغرق رحلات قد تستغرق دقائق، ساعات طويلة أو تصبح مستحيلة بحسب الظروف المفاجئة على الحواجز.

يجب أن ينتهي هذا النظام من التجزئة والسيطرة. يجب أن يتمكّن الفلسطينيون من التنقل بحرية عبر أراضيهم والعيش معاً كشعب وممارسة حقهم في تقرير المصير. إن تحوّل هذا القول إلى واقع يتطلب استجابة فورية من المجتمع الدولي لإلزام إسرائيل بإنهاء الإغلاقات التمييزية، وتكثيف جهود الإغاثة والتنمية لمعالجة آثارها على المدنيين الفلسطينيين.

معطيات وأرقام دولية حديثة

القيود تزداد باستمرار:
حسب تقرير للأمم المتحدة صدر في أبريل 2026، بلغ عدد معوقات الحركة والحواجز في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) نحو 925 حاجزاً ومعوقاً حتى ديسمبر 2025، يؤثر على حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني، وهو أعلى رقم يُسجّل خلال 20 عاماً، بزيادة حوالي 43% عن المتوسط السنوي للعقدين السابقين. يُذكر أن جهاز إحصاء فلسطيني مستقل أشارت إحصائياته الصادرة في سبتمبر 2026 إلى أن العدد تجاوز 942 حاجزًا مع حلول نهاية 2025.

انتشار الحواجز بشكل غير متساوٍ:
يتركّز جزء كبير من الحواجز في مناطق محددة. فمثلاً، نحو 40% من جميع الحواجز الدائمة في الضفة (34 من أصل 89) موجودة في منطقة H2 بمدينة الخليل، التي يقطنها نحو 7 آلاف فلسطيني تحت نظام إغلاق مشدد بعد أكتوبر 2023. وفي هذه المنطقة، تفرض قوات الاحتلال قيوداً صارمة – يتم فيها تشغيل ثلاث حواجز رئيسية فقط لساعات محدودة يوميًا للسماح بدخول الفلسطينيين المسجلين– مما يعزل مئات السكان عن باقي المحافظة ويسهم في تحويلها إلى “معزل” محكوم بشروط عسكرية مشددة.

زيادة العوائق الجديدة:
رصدت تقارير الأمم المتحدة خلال 2025 تركيب أكثر من 120 بوابة متحركة جديدة (Gate) على الطرق، فضلًا عن عشرات من الحواجز الجزئية الجديدة، ما دفع نسبة المعوقات من نوع البوابات إلى الارتفاع إلى أكثر من 41% من الإجمالي بحلول نهاية 2025. هذه المعوقات تؤدي إلى تطويل المسافات والمسارات للفلسطينيين، إذ وثّقت إحدى الدراسات أن قرية بيت فوريك قرب نابلس - التي يفترض أن تستغرق الرحلة منها إلى نابلس حوالي 15 دقيقة - قد تستغرق أكثر من خمس ساعات في المسار نفسه، وترتفع إلى عشر ساعات في بعض الأيام بسبب الحاجز الوحيد على مدخل البلدة.

تأثيرات واسعة على الحياة اليومية:
أكثر من نصف الفلسطينيين الذين شملهم استطلاع ميداني أقرّوا بأن وجود الحواجز أعاق فرص عملهم أو فرص عمل أزواجهم. كما وثّق تقرير لمنظمة الصحة العالمية 233 حادثة اعتداء أو عرقلة على المرافق الصحية والطاقم الطبي في الضفة خلال 2025 – 84% منها كان بسبب تقييد الوصول عبر الحواجز (تأخيرات، تفتيشات، واحتجاز سيارات إسعاف). ويضاف إلى ذلك أن نحو ثلث طلبات تصاريح المرضى للوصول إلى مستشفيات القدس وإسرائيل قُوبلت بالرفض في 2025 (مقابل 18% رفض عام 2022)، مما يعكس ضيق العناية الصحية المتاحة للفلسطينيين نتيجة القيود الإدارية والعسكرية.

تجزئة الأراضي ومعوقات أخرى:
تشير بيانات أونروا وتقارير الحقوق إلى أن هذه القيود ليست معزولة، بل جزء من منظومة شاملة لتقييد الحركة منذ عام 1967. فتصاريح العمل والسفر، والجدار الفاصل، وتصنيف مناطق الضفة كنقاط عسكرية مغلقة أو نقاط عسكرية مؤقتة، كلها تساهم في تقويض حق الوصول إلى الخدمات العامة والأراضي الزراعية والاجتماعية. وحسب تقرير أممي، فإن هذه الإجراءات ، تعيق الوصول إلى الخدمات والموارد، وتشظي الحياة الأسرية والاجتماعية، وتقوض سُبل العيش، وتسهم في تجزئة الضفة الغربية، مع تأثيرات تراكمية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفلسطينيين.
الأبعاد الحقوقية والقانونية

الحق في حرية الحركة:
بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والإنساني، فإن حرية تنقل الأفراد داخل أراضيهم حق معترف به. وقد أكدت الأمم المتحدة أن السلطات الإسرائيلية ملزمة بموجب القانون الدولي بتسهيل حركة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، ويُسمح بتقييدها فقط لأسباب أمنية ملحّة وتجاوباً مع تهديدات محددة. مع ذلك، تصرفات الاحتلال إذ تتجاوز الحاجة الأمنية المعقولة، كإغلاق الحواجز بلا سابق إنذار أو السيطرة العشوائية على التنقل، يمكن أن تشكل انتهاكاً لالتزامه القانوني بحماية المدنيين والسماح لهم بحياة طبيعية.

انتهاك حقوق أساسية:
النظام الحالي للحواجز يؤثر على العديد من الحقوق الأساسية للفلسطينيين، منها حقهم في الصحة والتعليم والعمل والحياة الأسرية، حيث تجبر حواجز الاحتلال حركة المرضى الوصول للمستشفيات على التأخر أو المنع، كما أظهر مثال وفاة الرضيع أحمد. كما تفرّق الحواجز بين العائلات وتقوض التلاحم الاجتماعي، وتمنع الطلاب من الوصول إلى المدارس والجامعات، بما ينطوي على انتهاك لمعايير حقوق الطفل والتعليم. كل ذلك بالتزامن مع سياسة تهدف إلى تجريد الأراضي الفلسطينية من تواصلها الجغرافي. فقد أكد تقرير مستقل أن عدداً من هذه المعوقات يغلق أو يحيد المسارات الرئيسية (مثل طريق 60)، مما يحول الفلسطينيين إلى شبكة طرق ثانوية طويلة ومعقدة.

التقسيم الإقليمي والتدمير الاقتصادي:
يتخذ أثر الحواجز صيغة تجزئة إقليمية حيث تصبح المدن والقرى الفلسطينية «معازل منعزلة» مفصولة بعضها عن بعض بفواصل عسكرية. ووفقاً للمقررة الخاصة، أصبح الفلسطينيون «خلايا منفصلة ضمن نظام سجني» تتحكم في تحركاتهم القوة المحتلة. هذا الواقع يتجاور مع سياسات أخرى كتوسيع المستوطنات والهدم القسري ومصادرة الأراضي (كما رُصد في الحملة الأخيرة في وادي الحمر وبيت فوريك والمرتفعات الشرقية)، مما يعيق أساساً قيام اقتصاد فلسطيني متماسك وحر. وفي ضوء ذلك، خلصت محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الصادر في يوليو 2024 إلى أن سياسات الاحتلال قد «شرّذمت الضفة الغربية، وقطعت القدس الشرقية عنها، وحاصرت التجمعات الفلسطينية في معازل» بما يعيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. ويُذكر أن المحكمة طالبت بإنهاء الوجود غير المشروع في الأراضي المحتلة «بأسرع ما يمكن»، محذرة من أن تأخر المجتمع الدولي في تطبيق ذلك يعد «سمة من سمات التواطؤ».

الالتزامات الدولية:
تحتل أحكام اتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكولات لاهاي مكاناً مهماً في تقييم هذا الوضع. فالاحتلال مسؤول قانوناً عن أمن وسلامة السكان المدنيين ضمن الأراضي التي يسيطر عليها، ويُحظر عليه أي إجراء يُعدّ عقوبة جماعية (المادة 33 من جنيف الرابعة)، أو الإخلال بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية دون حاجة ملحة (المواد 46-47 من لائحة لاهاي لعام 1907). كما تُبيّن المعايير الدولية أن العناية الطبية تكتسب وضعاً خاصاً (المادة 56 من جنيف الرابعة) فلا يجوز منع وصول الإسعاف أو الطواقم الطبية إلى المحتاجين دون مبرر أمني ملموس. إضافة لذلك، إن تقييد حرية التنقل يظل مشروطاً بأسباب أمنية ويجب أن يكون محدود التأثير، وهو ما تشير التقارير إلى خروجه عن نطاق الاعتدال الأمني.

أطر قانونية داعمة:
على الصعيد الدولي، توجد قرارات للأمم المتحدة تنبذ أنشطة التوسع الاستيطاني وتهجير السكان في الأراضي المحتلة. فقد جددت الجمعية العامة قرارها 68/22 (2013) بشأن الحماية الشاملة للسكان الفلسطينيين، ومجلس الأمن دعه عبر قرارات مثل 2334 (2016) الذي أدان الاستيطان كعائق أمام السلام. كما أكدت الهيئات الحقوقية الأممية (مثل مجلس حقوق الإنسان) على إلزام الاحتلال بحماية حقوق الفلسطينيين الأساسية بغض النظر عن الظروف الأمنية. في هذا السياق، يعكس بيان ألبانيزي ونظيره من تقارير المنظمات الدولية إلحاح تطبيق هذه الأطر القانونية لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية والحقوقية الناتجة عن سياسة الحواجز المتعسفة.

ختام وتوصيات
الواقع الميداني والقانوني يدعوان إلى استعادة حق الفلسطينيين في الحركة الكاملة ضمن أراضيهم، وإلى وقف الإجراءات التقييدية التي تؤدي إلى تعطيل حياتهم الأساسية. كما يشدد الخبراء والمحامون أن تعزيز الحلول الأمنية لا بد أن يتم بمسؤولية قانونية تضمن عدم معاقبة المدنيين الفلسطينيين جماعياً، وأن أي نظام حواجز يجب أن يكون محدوداً، معللًا بالأدلة الأمنية، ومفتوحاً للرقابة الدولية.

انتهى