كيف يقود شقيقان إسرائيليان عملية استيلاء استيطاني على الأراضي في الضفة الغربية؟

كيف يقود شقيقان إسرائيليان عملية استيلاء استيطاني على الأراضي في الضفة الغربية؟

كيف يقود شقيقان إسرائيليان عملية استيلاء استيطاني على الأراضي في الضفة الغربية؟

إمبراطورية استيطانية سيطرت على خُمس الضفة الغربية المحتلة
٢،٣ مليون دولار من التمويل الحكومي لصالح البؤر الاستيطانيــــة
نتنياهو يقول عن البؤر الزراعية:
«تُهيئ الأرض لهجرة كبيرة جداً للاسرائيليين الى الضفة الغربية»


الوزير المتطرف سموتريتش: التوسع الاستيطاني السريع يمكن أن يحقق الضم بحكم الأمر الواقع.
المستوطن إلياف ليبي : الكتاب المقدس يمنح اليهود الحق في العيش في الضفة الغربية، والمستوطنين المزارعين الإسرائيليين يحققون نبوءة توراتية تتعلق بغور الأردن.
مؤسس منظمة «كيرم نافوت» الاسرائيلية : نشاط الشقيقين «أليبي» أدى إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى منطقة حول غور الأردن تقارب مساحتها مساحة مدينة باريس.
الجيش يوجه المستوطنين إلى الأماكن التي ينبغي إقامة المزارع فيها، و 160 مزرعة أُنشئت بالتنسيق مع الجيش الاسرائيلي.
وزير الدفاع الاسرائيلي ، كاتس : «هذه البؤر تشكل جدار محصن يعزز تمسكنا بوطننا التاريخي».
إلياف ليبي بدأ بتوسيع البؤر الاستيطانية بوتيرة أسرع بعد مقتل ابنه في قطاع غزة بعبوة ناسفة.
يكشف التحقيق، في جوهره، عن منظومة متكاملة تتجاوز فكرة اعتداءات فردية يقوم بها مستوطنون، وان هناك تداخل لعدة مستويات ايديولوجية واقتصادية، وحكومية، وعسكرية، وسياسية.
من أبرز الأرقام التي توضح حجم الظاهرة أن عدد البؤر الإجمالي يقدر بنحو 410 بؤر، وأن 184 بؤرة غير مرخصة أُنشئت خلال ثلاث سنوات فقط حتى نهاية 2025، وأن البؤر مجتمعة تسيطر، وفق تقديرات حقوقية إسرائيلية أوردتها رويترز، على مساحة تقترب من خُمس الضفة الغربية.

رويترز - بيشا مجيد
10 سبتمبر/أيلول 2026
من مجمع صناعي ممتد فوق إحدى التلال، تعمل عائلة من المستوطنين الإسرائيليين على إنتاج مبانٍ جاهزة تُستخدم لتسريع توسع البؤر الاستيطانية اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، في عملية تؤدي إلى دفع فلسطينيين إلى مغادرة منازلهم.
تعود ملكية شركة Libi Construction and Infrastructure – ليبي للإنشاءات والبنية التحتية إلى الشقيقين إلياف ليبي (Eliav Libi) وهاريل «كوكو» ليبي (Harel “Coco” Libi).
قال إلياف ليبي، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في أبريل/نيسان، إن الشركة تبني مصنعاً جديداً لإنتاج المنشآت البيضاء البسيطة الجاهزة التي يستخدمها الشقيقان وغيرهما في إقامة البؤر الاستيطانية.
خلال زيارة حديثة للمنطقة، شاهدت رويترز من طريق مجاور مجمع الشركة في مستوطنة شيلو (Shilo)، وكان يضم ما لا يقل عن خمسة مستودعات، تحيط بها صفوف من المنازل الجاهزة وأكوام من مواد البناء، بينما كانت الحفارات تعمل على توسيع الموقع.

استراتيجية جديدة للسيطرة السريعة والرخيصة على الأرض
بحسب تحقيق رويترز، تمثل عمليات عائلة ليبي نموذجاً لاستراتيجية استيطانية آخذة في التوسع، وتهدف إلى السيطرة بسرعة وبتكلفة منخفضة على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية.
وبدلًا من بناء مجمعات وأحياء حديثة عبر إجراءات التصاريح الحكومية الإسرائيلية، تبدأ هذه البؤر في كثير من الأحيان بمنزل أو منزلين جاهزين، من دون الحصول على موافقة قانونية.
ثم ينتقل إليها مستوطنون إسرائيليون شباب يعملون في الرعي، ويجلبون معهم الأغنام والأبقار للرعي في أراضٍ يستخدمها منذ زمن الرعاة والمزارعون الفلسطينيون.
وتشير رويترز إلى أن المستوطنات الإسرائيلية تحظى بإدانة واسعة من الأمم المتحدة ودول أوروبية عديدة. أما البؤر من النوع الذي أنشأته عائلة ليبي فهي غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي، الذي يشترط الحصول مسبقاً على موافقة للبناء في المناطق الواقعة تحت الإدارة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وعلى الرغم من ذلك، تقول رويترز إن الشقيقين يحظيان بدعم واسع من الحكومة الإسرائيلية في الوقت الذي يسابقان فيه الزمن لتوسيع تلك البؤر، ضمن طفرة استيطانية أكبر شهدتها الضفة الغربية منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب اللاحقة على غزة.

184 بؤرة خلال ثلاث سنوات
توصل تحقيق رويترز إلى أن الشقيقين ليبي ساهما خلال هذه الفترة في إنشاء ما لا يقل عن تسع بؤر زراعية جديدة.
وبصورة أوسع، أنشأ المستوطنون الإسرائيليون 184 بؤرة استيطانية غير مرخصة في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث المنتهية في 2025، وفق منظمة السلام الآن (Peace Now) الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، وهذا العدد يكاد يساوي عدد البؤر التي أُنشئت خلال العقود الثلاثة السابقة مجتمعة.
ولا تنشر الحكومة الإسرائيلية بصورة دورية بيانات عن عدد البؤر، إلا أن مسؤولين حكوميين، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلنوا أرقاماً تقل بصورة طفيفة فقط عن تقديرات «السلام الآن».
وتقول كل من «السلام الآن» والحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية إن العدد الإجمالي للبؤر الاستيطانية أصبح نحو 410 بؤر، وفي عام 2025 وحده، أنشأ المستوطنون 86 بؤرة جديدة، وفق «السلام الآن».
وقالت رويترز إنها تحققت بصورة مستقلة من عينة مكونة من 30 بؤرة من خلال الزيارات الميدانية وصور الأقمار الصناعية.
السيطرة على نحو خُمس مساحة الضفة الغربية
بحسب تقرير مشترك لمنظمتي Peace Now وKerem Navot الإسرائيليتين، فإن هذه البؤر مجتمعة باتت تسيطر على مساحة تقارب خُمس أراضي الضفة الغربية.
ويقول التقرير إن الغالبية الساحقة من هذه المساحات جرى الاستيلاء عليها خلال السنوات الأربع التي أعقبت تولي حكومة نتنياهو الحالية السلطة.
ويقدم المستوطنون أنفسهم تقديراً مشابهًا يبلغ نحو 1,000 كيلومتر مربع، وتصف رويترز الشقيقين ليبي بأنهما من أبرز الشخصيات في حركة استيطانية متشددة تستخدم المواشي، والمحاصيل الزراعية، والأسوار، وأحياناً العنف
لتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وعلى وجه الخصوص، عمل إلياف ليبي على دفع القيادات السياسية والعسكرية إلى تبني البؤر الزراعية والرعوية كاستراتيجية لمنع إقامة دولة فلسطينية، وهي الدولة التي يقول هؤلاء المستوطنون إنها ستشكل خطراً أمنياً على إسرائيل.

تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين
تزامن انتشار هذه البؤر مع ارتفاع حاد في الاعتداءات القاتلة التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA التي استند إليها التحقيق.
ففي عام 2025، قُتل ما لا يقل عن 16 فلسطينياً في هجمات نفذها مستوطنون، وأصيب أكثر من 1,100 فلسطيني، وهو رقم قياسي، أما خلال عام 2026 وحتى نهاية أغسطس/آب، فقد قُتل 23 فلسطينياً، أصيب أكثر من 1,000 فلسطيني.
وفي المقابل، تظهر البيانات التي أوردتها رويترز أنه خلال العام نفسه قتل فلسطينيون مستوطناً واحداً وأصابوا 22 مستوطناً، كما أشار التحقيق إلى أن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة قالت في يونيو/حزيران إن القوات الإسرائيلية توفر بصورة متكررة الحماية للمستوطنين أثناء أعمال العنف، بما في ذلك مرافقة مستوطنين خلال هجماتهم على قرى فلسطينية.

دعم حكومي مباشر لعائلة ليبي
وجد تحقيق رويترز أن الحكومة الإسرائيلية قدمت لعائلة ليبي أشكالًا متعددة من الدعم، من بينها:
ترخيص للمصنع الجديد.
تصاريح للرعي.
منحة زراعية حكومية.
تمويل حكومي مرتبط بالبؤر الزراعية.
عقود من وزارة الدفاع الإسرائيلية.
وبحسب التحقيق، فإن هذا يأتي ضمن نحو مليون دولار من التمويل الذي وافقت عليه وزارة الزراعة لصالح البؤر الاستيطانية، وفق منظمة «السلام الآن».
كما جرت الموافقة على 1.3 مليون دولار إضافية من الأموال الحكومية لصالح منظمة كشف التحقيق عن وجود علاقات وثيقة بينها وبين عائلة ليبي لم تكن معلنة سابقاً.
والأكثر لفتاً للانتباه أن وزارة الدفاع الإسرائيلية تعاقدت مع شركة ليبي لتنفيذ أعمال من بينها هدم منازل فلسطينية في قطاع غزة الذي دمرته الحرب.
وأكد هاريل ليبي لرويترز وجود هذه العلاقة التعاقدية، قائلًا:
«نعمل لصالحهم في مختلف المواقع والقواعد العسكرية».

لقاءات مع وزراء إسرائيليين
التقى وزراء في الحكومة الإسرائيلية، من بينهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بإلياف ليبي ومقربين منه لمناقشة عملهم وخططهم.
كما قامت الحكومة الإسرائيلية بالفعل بإضفاء الصفة القانونية على ثلاث بؤر على الأقل أنشأها الشقيقان، بما في ذلك بؤرة أقيمت العام الماضي، ويعني الاعتراف الرسمي بها أنها تستطيع لاحقًا التطور إلى مستوطنات أكبر.
وكشف التحقيق أيضاً أنه خلال العامين السابقين، أبدى مسؤولون عسكريون إسرائيليون كبار دعمهم علناً، ونسقوا مع جمعية من المستوطنين المتشددين يُعد إلياف ليبي عضواً بارزاً فيها، بينما كانت الجمعية تنشئ عشرات البؤر الزراعية، لكن الجيش الإسرائيلي نفى وجود علاقة رسمية مع الشقيقين، وقال مسؤول عسكري إن الجيش ينسق مع البؤر الزراعية غير المنظمة في الضفة الغربية بهدف حماية أمنها و«أمن المنطقة المحيطة بها»، مضيفاً أن الجنود ملزمون أيضًا بمنع الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

«واحد من كبار بناة إسرائيل»
أشاد عضو الكنيست تسفي سوكوت، المنتمي إلى حزب الصهيونية الدينية المشارك في ائتلاف نتنياهو، بالمستوطنين الشباب في الضفة الغربية، ووصف إلياف ليبي بأنه:
«واحد من كبار بناة إسرائيل».
أما نتنياهو فقال خلال حديث له في الضفة الغربية في أغسطس/آب إن البؤر الزراعية: «تهيئ الأرض لهجرة كبيرة جدًا»، للإسرائيليين إلى الضفة الغربية.
وقال إن 160 بؤرة زراعية جديدة أُنشئت، مضيفًا: «والمزيد في الطريق».
وفي المقابل، قال المسؤول الفلسطيني واصل أبو يوسف إن الهدف من التوسع الاستيطاني هو: «عرقلة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً».

قرية عمرها قرون أصبحت محاصرة
خصصت رويترز جزءاً مهماً من تحقيقها لقرية دوما الفلسطينية، ولفهم عمليات عائلة ليبي وصلاتها بالحكومة، راجعت الوكالة تصريحات الشقيقين العلنية وسجلات حكومية لم يُكشف عنها سابقاً توثق الدعم المالي الذي تلقياه، كما أجرت مقابلات مع مستوطنين يعرفون العائلة، وناشطين إسرائيليين مناهضين للاستيطان، وزارت قرى فلسطينية وصف سكانها اعتداءات نفذها مستوطنون قادمون من بؤر ساعد الشقيقان في إنشائها.
وقال سليمان دوابشة، رئيس مجلس قرية دوما، إن إلياف ليبي: «ينشر الخوف» ويدعو، بحسب دوابشة، إلى: تهجير المواطنين والاستيلاء على أراضيهم».
وتطل دوما، وهي قرية تعود إلى قرون مضت، على غور الأردن، وأصبحت اليوم محاطة ببؤر أنشأتها عائلة ليبي، كما تحدث إلياف ليبي بصورة علنية عن استخدام البؤر لإخراج الفلسطينيين من الضفة الغربية.

تهجير 434 فلسطينياً
وفق إحصاء أجرته رويترز اعتماداً على بيانات التهجير التي جمعتها منظمة بتسيلم B’Tselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فإن ما لا يقل عن 434 شخصًا، معظمهم من الرعاة البدو وشبه الرحل، فروا منذ عام 2022 من مناطق تقع قرب البؤر المرتبطة بعائلة ليبي.
وفرضت أستراليا وكندا وفرنسا والنرويج والمملكة المتحدة خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران عقوبات منسقة على الشقيقين ليبي، متهمة إياهما بالاستيلاء غير القانوني على الأراضي وتسهيل عنف المستوطنين.
وكانت بريطانيا قد فرضت في العام السابق عقوبات على هاريل ليبي، كما جمدت أصول بؤرة أنشأها باسم Coco’s Farm، وحظرت على المؤسسات المالية البريطانية إجراء معاملات تتعلق بأموال تحتفظ بها البؤرة أو مستوطنوها.
واتهمت بريطانيا هاريل ليبي بـ**«أعمال عدوان وعنف ضد الشعب الفلسطيني». أما الولايات المتحدة، التي كانت قد فرضت عقوبات على مستوطنين متطرفين في عهد الرئيس جو بايدن، فقد رفعتها إدارة دونالد ترامب.

حملة ترهيب ضد عائلة بدوية
يوثق التحقيق بالتفصيل ما حدث مع عائلة العبّيات، وهي عائلة من الرعاة البدو تعيش قرب بؤرة غير قانونية أنشأها إلياف ليبي تسمى Mitzpe Michal بالقرب من فصايل في غور الأردن، وبحسب مقابلات أجرتها رويترز مع أحد الرعاة وشاهدين، ومقاطع فيديو تحققت منها الوكالة، شارك إلياف ليبي في وقت سابق من هذا العام في حملة ترهيب ضد العائلة.
وتقول الشهادات إن ليبي ومقربين منه، وكان بعضهم يحمل أسلحة نارية:
أدخلوا الأبقار للرعي في حديقة العائلة.
ألقوا أطنانًا من التمور المتعفنة بجوار المنزل لاستخدامها علفاً للأبقار.
شغلوا موسيقى صاخبة من مركبات وطائرات مسيرة.
قطعوا المياه والكهرباء عن العائلة.
وفي مارس/آذار، قامت حفارة بهدم منزل عائلة العبّيات.

وأظهرت المقاطع التي راجعتها رويترز جنودًا إسرائيليين يشاهدون عملية الهدم، وقال الجيش رداً على أسئلة الوكالة إن المباني أُنشئت بصورة غير قانونية، وإن السلطات الإسرائيلية هدمتها بينما تولى الجنود توفير الحماية الأمنية. وبحسب بتسيلم، اضطرت ست عائلات في المجمل إلى مغادرة المنطقة تحت الضغط.

«السيادة العملية» على الضفة الغربية
نشأ هاريل وإلياف ليبي في الضفة الغربية، حيث يعيش والدهما يعقوب ليبي كمستوطن، ويعود نشاطهما في إنشاء البؤر إلى عام 2009 على الأقل، عندما أسسا مزرعة غير قانونية على أحد التلال بالقرب من بؤرة Adei Ad.
وفي عام 2012، منع الجيش الإسرائيلي هاريل ليبي مؤقتاً من دخول الضفة الغربية، ثم هدم المزرعة بعد ذلك بوقت قصير.
وكان هاريل ضمن 12 شخصاً وصفهم الجيش الإسرائيلي حينها بـ«المتطرفين اليهود»، وقال إنهم شاركوا في «قيادة وتوجيه وتنفيذ أنشطة عنيفة وسرية تستهدف السكان الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية».
وفي عام 2015، نفذ مستوطن من بؤرة Adei Ad هجوماً حارقاً على منزل فلسطيني في دوما أدى إلى مقتل زوجين فلسطينيين وطفلهما البالغ 18 شهراً، وأدين المستوطن لاحقاً بالقتل وحُكم عليه بثلاثة أحكام متتالية بالسجن المؤبد، وقد قامت إسرائيل لاحقاً بإضفاء الصفة القانونية على Adei Ad.

«إمبراطورية» استيطانية
يسيطر الشقيقان اليوم على ما وصفه أحد المستوطنين الذين يعرفونهما بأنه «إمبراطورية» في الضفة الغربية، وتتنوع أنشطتهما بين استخراج الرمال، وصناعة الإسمنت، وشق الطرق، وبناء المستوطنات، وتوسيع مزارعهما الخاصة.
ويعمل نشاط العائلة على المستوى الميداني ضمن استراتيجية يقول وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش إن هدفها هو «دفن» فكرة الدولة الفلسطينية.
وتشير رويترز إلى أن إسرائيل تحتل الضفة الغربية منذ حرب عام 1967، وأن معظم المجتمع الدولي يعتبر المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب قواعد القانون الدولي المتعلقة بالاحتلال العسكري، وتعارض إسرائيل هذا الموقف، مستندة إلى ما تصفه بروابط تاريخية وتوراتية وسياسية بالضفة الغربية.
لكن إسرائيل كانت تميز داخلياً تاريخياً بين المستوطنات التي تحصل مسبقاً على الموافقة الرسمية وبين البؤر الاستيطانية غير المرخصة، إلا أن هذا التمييز أصبح أكثر ضبابية.
ففي العام الماضي، كان نحو نصف المستوطنات الـ54 التي وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية عبارة عن بؤر قائمة لم تكن حاصلة سابقاً على موافقة، بحسب «السلام الآن».

تضاعف عدد المستوطنات التي منحت وضعاً قانونياً
منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022، ضاعفت حكومته تقريباً عدد المستوطنات في الضفة الغربية التي مُنحت وضعاً قانونياً، ليصل إلى 231 مستوطنة، وفق «السلام الآن»، ومن بينها مواقع بدأت أصلًا كبؤر غير قانونية.
وسعى اليمين السياسي الإسرائيلي، بما فيه نتنياهو، إلى ضم الضفة الغربية، لكنه واجه معارضة من واشنطن بعدما ضغط شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن بينهم الإمارات والسعودية ومصر، ضد هذه الخطوة.
وفي ظل غياب الدعم الأمريكي للضم الرسمي، قال مسؤولون إسرائيليون، من بينهم سموتريتش، إن التوسع الاستيطاني السريع يمكن أن يحقق الضم بحكم الأمر الواقع.
وفي يونيو/حزيران وصف سموتريتش هذه الاستراتيجية بأنها فرض «السيادة العملية» على الضفة الغربية من خلال استيعاب المستوطنات للمنطقة بصورة منهجية داخل إسرائيل.

صلات مباشرة بكبار المسؤولين
أظهرت مراجعة رويترز لمنشورات وتصريحات عائلة ليبي وجود اتصالات منتظمة مع مسؤولين كبار، من بينهم، بتسلئيل سموتريتش، وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، وزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وفي أبريل/نيسان، استضاف إلياف ليبي الوزيرة أوريت ستروك خلال زيارتها لبؤر جديدة بالقرب من غور الأردن، وفي أغسطس/آب، التقى وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإلياف ليبي داخل الوزارة، حيث عرض ليبي، بحسب مسؤولين إسرائيليين تحدثا لرويترز، مقترحاً لإنشاء مستوطنات في مناطق من الضفة الغربية خاضعة للإدارة الفلسطينية.
وفي فبراير/شباط قال كاتس، في كلمة عبر الفيديو أمام إحدى البؤر غير القانونية، إنه يعمل بدعم من نتنياهو على «تسوية» أوضاع عشرات البؤر الزراعية، وأوضح مسؤول عسكري لرويترز أن المقصود بالتسوية هو إنشاء إطار تنظيمي جديد للبؤر غير القانونية «وفق شروط صارمة وبالتنسيق الأمني».

الاستيلاء على الأرض باستخدام المواشي
يؤمن إلياف ليبي بأن الكتاب المقدس يمنح اليهود الحق في العيش في الضفة الغربية، وفي مؤتمر للمستوطنين في مايو/أيار، قال إن المستوطنين المزارعين الإسرائيليين يحققون نبوءة توراتية تتعلق بغور الأردن.
وتكشف تصريحات ليبي والبيانات التي جمعها الناشط الإسرائيلي درور إيتكس، مؤسس منظمة Kerem Navot، أن نشاط الشقيقين أدى إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى منطقة حول غور الأردن تقارب مساحتها مساحة مدينة باريس.
ويستخدم المستوطنون، المواشي والأسوار والطرق والترهيب، لفرض السيطرة على نحو 10 آلاف هكتار، أي قرابة 25 ألف فدان، وتتركز البؤر بصورة أساسية في المنطقة الواقعة بين دوما - المغير - فصايل.

أموال حكومية وتصاريح رعي
تكشف السجلات الحكومية أن الشقيقين حصلا على تصاريح للرعي وتمويل حكومي، وفي 2025 حصلت شركتهما على منحة صغيرة من وزارة الزراعة وعلى إذن من سلطة الأراضي الإسرائيلية للرعي في مناطق حول فصايل.
وبين عامي 2021 و2025، حصلت شركة ليبي ومستوطنتان مرتبطتان بالشقيقين على ما مجموعه 168،586 شيكلًا ، نحو 56 ألف دولار من وزارة الزراعة، كما جرت الموافقة على 107،357 شيكلًا ، نحو 36 ألف دولار إضافية لعام 2026.
وإلى جانب الدعم الحكومي والعسكري، جمعت شركة ليبي مئات آلاف الدولارات من التبرعات عبر حملات تمويل جماعي على الإنترنت.

من عنف دوما إلى إنشاء «جمعية المزارع»
بعد موجة الهجمات التي شهدتها دوما، تأسست Farms Association – جمعية المزارع، ويضم مجلس إدارتها إلياف ليبي وشخصيات استيطانية متشددة أخرى خاضعة لعقوبات دولية، وتقول الجمعية إن «المزارعين، بالتعاون مع شخصيات عسكرية كبيرة، بادروا بعد حادثة دوما إلى تطوير المزارع التعليمية»، وتهدف الجمعية إلى منح المستوطنين الشباب «إطاراً ومسؤولية زراعية وثقة متجددة بمؤسسات الدولة»، إلى جانب تشجيعهم على الخدمة العسكرية، واللافت أن الجمعية نفسها تقول إن الحكومة تدرك «الأهمية الاستراتيجية» للبؤر الزراعية وتدعمها من خلال:
البنية التحتية.
الأسوار.
الأمن.
المنح الزراعية.
وتوضح أن هذه المزارع أقل تكلفة بكثير من المستوطنات التقليدية المرخصة، وفي الوقت نفسه «تؤمّن مساحات واسعة من الأراضي».

تغير موقف الجيش بعد 7 أكتوبر
قال مستوطن يعمل مع منظمة تنسق النشاط الاستيطاني مع الجيش لرويترز إن الجيش كان ينظر سابقاً إلى هذه البؤر باعتبارها عبئاً يهدر الوقت والموارد، كن هذه النظرة تغيرت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبحسب هذا المستوطن، بدأ الجيش يوجه المستوطنين إلى الأماكن التي ينبغي إقامة المزارع فيها، بعدما أصبح ينظر إليها كوسيلة لإبعاد الفلسطينيين عن التجمعات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقال: «لقد أصبحت حلًا».

ملايين الشواكل لمنظمة مرتبطة بعائلة ليبي

فرضت بريطانيا في يونيو/حزيران عقوبات على الشقيقين وعلى «جمعية المزارع»، متهمة الجمعية بتقديم دعم مالي ولوجستي لمستوطنين مرتبطين بالعنف والتهجير القسري للفلسطينيين.
وفرضت أيضًا عقوبات على منظمة تسمى Ahavat Gilad، قائلة إنها كانت توجه التبرعات إلى البؤر الاستيطانية، وفي 2 أغسطس/آب 2026 وافقت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية على مشروع مشترك مع Ahavat Gilad، قالت إنه يهدف إلى الحد من العنف بين المستوطنين الإسرائيليين الشباب.
ووفق وثيقة مشتريات حكومية، ستوفر الوزارة للمشروع ما يصل إلى 8 ملايين شيكل – نحو 2.6 مليون دولار – على مدى ثلاث سنوات، على أن تحصل Ahavat Gilad على نصف المبلغ.
وكشفت رويترز كذلك أن العنوان الرسمي للمنظمة في سجل الجمعيات الإسرائيلي هو عقار مرتبط بوالد الشقيقين، يعقوب ليبي، في شيلو، كما كان الأب المدير التنفيذي للمنظمة من عام 2025 حتى وقت سابق من 2026، ولا يزال عضواً في مجلس إدارتها.

تحول «هائل» في موقف القيادة العسكرية
في 16 يوليو/تموز، شارك مسؤولون أمنيون كبار، بينهم قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوث، المسؤول عن العمليات في الضفة الغربية، في أول مؤتمر أمني لجمعية المزارع في بؤرة قرب القدس.
وتحدث بلوث عن حدوث «تغيير هائل» في نظرة الجيش إلى المزارع خلال العامين السابقين، وأصبحت البؤر التي تنسق مع الجيش تُعتبر إيجابية من الناحية الأمنية.
وقال للمستوطنين : «أنا أؤمن كثيراً بالناس الموجودين هنا... وأقدر ما تقومون به». وفي مايو/أيار، عرض بلوث أمام الصحفيين شريحة تفيد بأن 160 مزرعة أُنشئت بالتنسيق مع الجيش.
أما وزير الدفاع كاتس فوصف هذه البؤر بأنها بمثابة :«جدار محصن يعزز تمسكنا بوطننا التاريخي».

هدم غزة والثأر لمقتل الابن
يكشف القسم الأخير من التحقيق عن ارتباط آخر بين أعمال شركة ليبي والحرب على غزة، ففي العام الماضي، قدمت شركة العائلة إلى الجيش الإسرائيلي حفارات وجرافات وسائقين للعمل في غزة، وجاء ذلك في وقت كان فيه الجيش يستعين بمقاولين مدنيين لهدم آلاف المنازل الفلسطينية في القطاع.
وتقول منظمات حقوق الإنسان إن التدمير المنهجي للممتلكات المدنية ينتهك قوانين الحرب، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن عمليات الهدم كانت ضرورية لإزالة العبوات الناسفة وتسهيل العمليات البرية.
وكان إلياف ليبي نفسه من بين سائقي الجرافات العاملين في غزة، وفق ما قاله في مؤتمر للمستوطنين في مايو/أيار، وكان ابنه البالغ من العمر 19 عاماً، ديفيد ليبي، يعمل أيضاً على الآليات الثقيلة، وفي 29 مايو/أيار 2025، قُتل ديفيد بانفجار أثناء تشغيله آلية ثقيلة في غزة، وقالت حماس لاحقًا إنها استهدفت الآلية بعبوة ناسفة، وشارك وزراء في الحكومة الإسرائيلية في جنازته، وبعد مقتل ابنه، قال إلياف ليبي إنه بدأ بتوسيع البؤر الاستيطانية بوتيرة أسرع.

«يحاولون إفراغ قرية كاملة من سكانها»
قال ثلاثة من سكان دوما إن مضايقات واعتداءات المستوطنين على القرية والتجمعات الرعوية المحيطة بها أصبحت أكثر تكراراً بعد إنشاء بؤرة Giborei David – غيبوري ديفيد، وفي أغسطس/آب، قُتل الفلسطيني ثمين دوابشة، 35 عامًا، برصاص جندي إسرائيلي خارج الخدمة خلال احتجاج قرب دوما، وقال الجيش لرويترز إن دوابشة كان يرشق مدنيين إسرائيليين بالحجارة، وبحسب بتسيلم، كان الجندي يعمل حارس أمن لبؤرة غيبوري ديفيد، لكن رويترز قالت إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جهة توظيفه، وأدى إنشاء البؤرة في مارس/آذار إلى التهجير القسري لـ11 عائلة بدوية رعوية، وفق سكان دوما.
وقال رئيس مجلس القرية سليمان دوابشة إن المستوطنين:
استولوا على مصادر المياه في دوما.
ألحقوا أضرارًا بإمدادات الكهرباء.
استولوا على نحو 700 هكتار، أي 1,700 فدان، من الأراضي.
وقال الناشط الإسرائيلي درور إيتكس إن عائلة ليبي تحاول «إفراغ قرية كاملة» يبلغ عدد سكانها نحو 3،000 فلسطيني.

شهادة عائلة فلسطينية أجبرت على الرحيل
تحدثت رويترز أيضاً إلى الفلسطيني البدوي ضيف الله (Daif Allaa)، الذي قال إن عائلته كانت في مارس/آذار ضمن العائلات التي أُجبرت على مغادرة أراضٍ استولى عليها المستوطنون لصالح بؤرة غيبوري ديفيد.
وقال إن المستوطنين:
رشقوا منزله بالحجارة.
قطعوا الكهرباء.
شغلوا موسيقى صاخبة حتى ساعات متأخرة من الليل.
ضربوا ابن أخيه على رأسه بعصا.
رشوا ابنه بغاز الفلفل.
وعرض على رويترز تسجيلات تظهر مستوطنين يتجولون حول منزله.
وفي أحد المقاطع، كان شبان يرتدون سترات تحمل تعهداً بالحفاظ على إرث ابن إلياف ليبي القتيل، إلى جانب اقتباس من نص توراتي.
وقال ضيف الله: «إنهم لا يريدون أن يبقى أي شخص على الأرض. لا يريدون وجود أي عرب هناك».
وفي مارس/آذار، منحت الحكومة الإسرائيلية بؤرة غيبوري ديفيد اعترافًا رسميًا من الدولة.

الخلاصة الرئيسية لتحقيق رويترز
يكشف التحقيق، في جوهره، عن منظومة متكاملة تتجاوز فكرة اعتداءات فردية يقوم بها مستوطنون. فبحسب الأدلة والسجلات والمقابلات التي جمعتها رويترز، يجري استخدام البؤر الزراعية والرعوية والمنازل الجاهزة والمواشي والأسوار والطرق كوسائل سريعة ومنخفضة التكلفة لفرض السيطرة الفعلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية.

وتظهر الصورة التي يرسمها التحقيق تداخل عدة مستويات: مستوطنون أيديولوجيون، شركات خاصة، جمعيات استيطانية، تمويل وتصاريح حكومية، عقود مع وزارة الدفاع، ودرجة متزايدة من التنسيق والدعم من مسؤولين سياسيين وعسكريين. وفي المقابل، توثق البيانات والشهادات حالات تهجير فلسطينيين وتقييد الوصول إلى الأراضي والمياه وأعمال ترهيب وعنف.

ومن أبرز الأرقام التي توضح حجم الظاهرة أن عدد البؤر الإجمالي يقدر بنحو 410 بؤر، وأن 184 بؤرة غير مرخصة أُنشئت خلال ثلاث سنوات فقط حتى نهاية 2025، وأن البؤر مجتمعة تسيطر، وفق تقديرات حقوقية إسرائيلية أوردتها رويترز، على مساحة تقترب من خُمس الضفة الغربية. كما وثقت رويترز نزوح 434 فلسطينياً على الأقل منذ 2022 من مناطق قرب البؤر المرتبطة بعائلة ليبي.
والتحقيق يربط هذه التطورات أيضاً بمفهوم «السيادة العملية» الذي يستخدمه سموتريتش، أي تحقيق ضم فعلي تدريجي.
انتهى