رئيس منظمة أطباء بلا حدود الدولية (MSF) :
لم يَعُد أحد آمنًا في غزة.. وقادة العالم متواطئون
اعتاد العالم على رؤية الفلسطينيين يُقتلون ويُشوَّهون يوميًا داخل خيامهم، وفي المستشفيات، وفي الشوارع.
يُطارَد الفلسطينيون في منازلهم ومدارسهم وعلى أراضيهم، بينما يتمتع المعتدون بإفلات كامل من العقــــــــــاب
يجري حشر أكثر من مليوني إنسان في ثلث مساحة القطاع فقط
قادة العالم متواطئون والكارثة الإنسانية في غزة تُمثل واحدة من أكبر الإخفاقات السياسية في العالم
واصلت إسرائيل عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية بصورة منهجية في الضفة الغربية، كما عملت عمداً على تفكيك النظام الصحي في قطاع غزة.
أكثر من 95 من العاملين الصحيين الفلسطينيين ما زالوا رهن الاعتقال.
لقد دمرت الإبادة الجماعية الكادر البشري للنظام الصحي في غزة
منذ أكتوبر 2023، قُتل ما لا يقل عن 1،700 من العاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى 15 من موظفي منظمة أطباء بلا حدود.
٢٨ تموز ٢٠٢٦
د. جافيد عبد المنعم - رئيس منظمة أطباء بلا حدود الدولية (MSF)
قادة العالم متواطئون بسماحهم لإسرائيل بمواصلة حملتها الإبادية، وادعو إلى تحول جذري في السياسات الدولية.
السياسات المطبقة في غزة، والمسار الذي نشهده في الضفة الغربية، يشيران إلى مشروع إسرائيلي أوسع يهدف إلى استعمار فلسطين عبر الاحتلال.
لقد مضى أكثر من 1000 يوم منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، ولا يزال العقاب الجماعي المفروض على الفلسطينيين مستمراً حتى اليوم.
في ظل ما يُسمى بوقف إطلاق النار، اعتاد العالم على رؤية الفلسطينيين يُقتلون ويُشوَّهون يوميًا داخل خيامهم، وفي المستشفيات، وفي الشوارع.
لقد فقدت عبارة «وقف إطلاق النار» كل معنى لها. وبينما أكتب هذه السطور، يواصل عدد الضحايا الارتفاع، كما تزداد اللامبالاة تجاه الكارثة الإنسانية في غزة، التي تمثل واحدة من أكبر الإخفاقات السياسية في العالم خلال العقود الأخيرة.
كان شهر يونيو/حزيران الأكثر دموية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025. وحتى 14 يوليو/تموز من هذا العام، قتلت إسرائيل 1،110 فلسطينيين وأصابت 3،599 آخرين منذ بدء وقف إطلاق النار، بالتزامن مع توسيع سيطرتها العسكرية على قطاع غزة.
يمثل ما يسمى بـ «الخط الأصفر» حدوداً متحركة تقسم القطاع إلى مناطق خاضعة للفلسطينيين وأخرى خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويستمر هذا الخط في التوسع، بحيث يصبح كل من يقترب منه - حتى وإن كان يحاول فقط الوصول إلى مأواه، أو جمع الحطب، أو البحث عن الطعام - معرضاً لإطلاق النار.
لكن الأمر لا يقتصر على العنف المباشر. فمع تحرك الخط غرباً، يجري حشر أكثر من مليوني إنسان في ثلث مساحة القطاع فقط. وهذا ليس أمرًا عارضًا، بل يؤدي إلى خلق ظروف اكتظاظ شديد تنتشر فيها الأمراض بسهولة، وتعجز فيها الاحتياجات الأساسية عن التلبية.
ونرى نتائج ذلك يوميا في عياداتنا؛ إذ تنتشر التهابات الجهاز التنفسي، والأمراض الجلدية، وأمراض الإسهال، نتيجة نقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وظروف المعيشة اللاإنسانية.
شهدت الضفة الغربية تحولًا عميقاً وعنيفًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد سرّعت الحكومة الإسرائيلية والجيش والمستوطنون المدعومون من الدولة عمليات التطهير العرقي، والاستيلاء على الأراضي، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، بما أدى إلى تقويض الوجود الفلسطيني واستمراريته.
ويُلاحق الفلسطينيون في منازلهم ومدارسهم وعلى أراضيهم، بينما يتمتع المعتدون بإفلات كامل من العقاب.
في نابلس والخليل، نستقبل مرضى يعانون من الصدمات النفسية والاكتئاب نتيجة تصاعد العنف وقيود الحركة، التي تعيق جميع جوانب حياتهم، بما في ذلك الوصول إلى المستشفيات.
واصلت إسرائيل عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية بصورة منهجية في الضفة الغربية، كما عملت عمداً على تفكيك النظام الصحي في قطاع غزة. فقد استُهدف العاملون في القطاع الصحي، والمرضى، وسيارات الإسعاف، والمستشفيات جميعها.
في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وخلال اقتحام مستشفى كمال عدوان في غزة، اعتُقل جرّاح منظمة أطباء بلا حدود الدكتور محمد عبيد مع 57 شخصًا آخرين، وهو واحد من أكثر من 95 من العاملين الصحيين الفلسطينيين الذين ما زالوا رهن الاحتجاز لدى القوات الإسرائيلية. وحتى اليوم، لا يزال الدكتور عبيد معتقلًا في أحد السجون الإسرائيلية دون توجيه أي تهمة إليه. ونواصل المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه.
لقد دمرت الإبادة الجماعية الكادر البشري للنظام الصحي في غزة، وسيستغرق تعويض هذه الخسائر سنوات طويلة.
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل ما لا يقل عن 1،700 من العاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى 15 من موظفي منظمة أطباء بلا حدود، وكثير منهم كرسوا عقودًا من حياتهم لخدمة المرضى.
لم يعد أحد آمنًا في غزة.
كما أصبحت إمكانية الحصول على الرعاية الصحية أكثر تقييدًا بعد أن ألغت السلطات الإسرائيلية تسجيل 37 منظمة إنسانية في يناير/كانون الثاني.
تمنع إسرائيل دخول الموظفين الدوليين والإمدادات الطبية والإنسانية الأساسية إلى غزة والضفة الغربية، ورغم دخول بعض المساعدات الإنسانية إلى غزة، فإنها لا تزال غير كافية، وتعد هذه القيود التعسفية جزءًا من سياسة عقابية طويلة الأمد تفرضها إسرائيل.
سواء من خلال العنف المباشر، أو تدمير النظام الصحي، أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، أو التسبب في المجاعة، أو استخدام المياه كسلاح، أو ارتفاع معدلات الولادة المبكرة ووفيات الرضع، أو ارتفاع معدلات الإجهاض، أو حرمان المرضى من الرعاية الصحية، فإن الحقيقة تبدو واضحة بالنسبة لي:
إن القضية الصحية الأولى في فلسطين هي الاحتلال الإسرائيلي.
لقد أصبحت أساليب إسرائيل مقبولة، كما اعتاد قادة العالم على سلوكها.
ومن خلال الدعم السياسي، أو المساعدات العسكرية، أو الصمت، فقد ساهموا في استمرار هذه السياسات.
إن الوضع لم يعد مجرد أمر لا يُطاق، بل أصبح واقعاً راسخاً.
في غزة، تستمر الإبادة الجماعية، وفي الضفة الغربية تتسارع عمليات التطهير العرقي.
إن هناك حاجة ملحة إلى تحول جذري في السياسات الدولية، يضع كرامة الفلسطينيين في المقام الأول، ويضمن حماية المدنيين، ويكفل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ويُخضع جميع الحكومات للمساءلة.
ومن دون هذا التحول، فإن الأيام الألف القادمة لن تمثل نقطة تحول، بل استمرارًا للواقع المأساوي ذاته.
«يُطارَد الفلسطينيون في منازلهم ومدارسهم وعلى أراضيهم، بينما يتمتع المعتدون بإفلات كامل من العقاب».
انتهى
